محمد متولي الشعراوي

10459

تفسير الشعراوي

إذن : أفادنا الظل في المسلات والمزاول ، ومنها انتقل المسلمون إلى عمل الساعات ، وأولها الساعة الدقاقة التي كانت تعمل بالماء ، وقد أهدوْا شارلمان ملك فرنسا واحدة منها فقال : إن فيها شيطاناً ، هكذا كان المسلمون الأوائل . وقوله تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } [ الفرقان : 45 ] أي : أن الضوء هو الذي يدل على الظلِّ . الحق تبارك وتعالى يُبيِّن الحركة البطيئة للظل فيقول : { قَبْضاً يَسِيراً } [ الفرقان : 46 ] لا تدركه أنت أبداً ؛ لأن في كل لحظة من لحظات الزمن حركة فلا يخلو الوقت مهما قَلَّ من الحركة ، لكن ليس لديك المقياس الذي تدرك به بُطْءَ هذه الحركة . وقوله : { قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا } [ الفرقان : 46 ] دليل على أن المسألة ليست ميكانيكاً ، إنما هي بقيومية الله تعالى ؛ لذلك فكأن الحق سبحانه يقول : يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم ، فربُّكم قيُّوم على مصالحكم لا ينام . وأهل المعرفة يستنبطون من ظاهرة الظل أسراراً ، فيروْنَ أن ظِلَّ الأشياء الشاهقة المتعالية يخضع لله تعالى ، ويسجد على الأرض ، رغم أنه متعالٍ شامخ ، كما جاء في قوله سبحانه : { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال } [ الرعد : 15 ] . وقال سبحانه : { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } [ النور : 41 ] فللظل حركة بطيئة لا يعلمها إلا الله ؛ لأنك لا تدرك مدى صِغَرها ؛ لذلك قُلْنا في الهباء : إنه نهاية ما يمكن أن يكون من التفتيت المنظور .